محمد متولي الشعراوي
10819
تفسير الشعراوي
انظر إلى التكلفة والمشقة التي تعانيها لتقطير عدة سنتميترات من الماء ، في حين أنك لا تدري بعملية التقطير الواسعة التي تسقي البلاد والعباد في كل أنحاء الدنيا . وقد مثَّلنْا لمسألة اتساع رقعة البَحْر بكوب الماء إذا أرقْتَه على الأرض ، فإنه يجفُّ في عدة دقائق ، أمّا لو تركت الماء في الكوب لعدة أيام ، فإنه لا ينقص منه إلا القليل . ومن الماء العَذْب ما سلكه الله تعالى ينابيع في الأرض ليخرجه الإنسان إذا أعوزه الماء على السطح ، أو سلكه ينابيع في الأرض بمعنى أن يسير العَذْب بجوار المالح ، لا يختلط أحدهما بالآخر مع ما عُرِف عن الماء من خاصية الاستطراق . وهذه من عجائب قدرة الله الخالق ، فمِنْ قَعْر البحر المالح تخرج عيون الماء العَذْب ؛ لأن لكل منهما طريقاً ومسلكاً وشعيرات يسير فيها بحيث لا يبغي أحدهما على الآخر ، كما قال تعالى : { مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } [ الرحمن : 1920 ] . وكما أن الماء العَذْب يتسرب إلى باطن الأرض ليكوِّن الآبار والعيون ، فكذلك الماء المالح يتسرب في باطن الأرض ليكوِّن من تفاعلاته الأحجار الكريمة ، كالمرمر ، والمعادن كالحديد والمنجنيز والجرانيت . . الخ . وبعد أن ذكر لنا هذه الآيات الخاصة بالأرض جاء بهذا الاستفهام { أإله مَّعَ الله } [ النمل : 60 ] يعني خلق هذه الأشياء { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } [ النمل : 61 ] والذين لا يعلمون أعلمناهم ، وقطعنا حُجَّتهم بعدم العلم .